ابن كثير

143

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

كبيرا ، قال ابن جرير وغيره : والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم ، وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا ليس هذا موضع بسطه ، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى ، والحق أن الثلاثة كافرة « 1 » . وقال السدي وغيره : نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع اللّه ، فجعلوا اللّه ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار ، قال السدي : وهي كقوله تعالى في آخر السورة وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ [ المائدة : 116 ] « 2 » ، وهذا القول هو الأظهر - واللّه أعلم - قال اللّه تعالى : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي ليس متعددا بل هو وحده لا شريك له ، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات ، ثم قال تعالى متوعدا لهم ومتهددا وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ أي من هذا الافتراء والكذب لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الآخرة من الأغلال والنكال ، ثم قال أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم ، وهذا الافتراء والكذب والإفك ، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ، فكل من تاب إليه تاب عليه . وقوله تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه ، وأنه عبد من عباد اللّه ورسول من رسله الكرام ، كما قال إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [ الزخرف : 59 ] . وقوله وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي مؤمنة به مصدقة له ، وهذا أعلى مقاماتها ، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ، ونبوة أم موسى ، ونبوة أم عيسى ، استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم ، وبقوله وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : 7 ] وهذا معنى النبوة ، والذي عليه الجمهور أن اللّه لم يبعث نبيا إلا من الرجال ، قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [ يوسف : 109 ] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه الإجماع على ذلك . وقوله تعالى : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ أي يحتاجان إلى التغذية به ، وإلى خروجه منهما ، فهما عبدان كسائر الناس ، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة ، عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة ، ثم قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ أي نوضحها ونظهرها ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون ، وبأي قول يتمسكون ، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون .

--> ( 1 ) قال ابن جرير : وهذا ( أي قولهم : إن اللّه ثالث ثلاثة ) قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنسطورية . كانوا فيما بلغنا يقولون : الإله القديم جوهر واحد يعمّ ثلاثة أقانيم : أبا والدا غير مولود ، وابنا مولودا غير والد ، وزوجا متتبّعة بينهما . ( تفسير الطبري 4 / 652 ) ( 2 ) الأثر عن السدي في تفسير الطبري 4 / 653 .